بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

29: هل أن الفتن التي تحصل في العراق عناصر ضعف أو قوة له؟

1533 2012-04-29


محمد الساعدي (مجموعة حكيميون): الكثير من الروايات المسندة أو غير المسندة تشير إلى أن الأحداث المهمّة قبل ظهور الإمام (عج) تحصل في العراق، ويحصل في هذا البلد الكثير من الفتن والابتلاءات، سؤالي لماذا أغلب هذه الفتن تحصل في العراق؟ وهل هذا عنصر قوة أم ضعف للعراق؟

الجواب: في تصوري أن الأحداث المهمة إنما تقع في مكان معين فبسبب ما يتميز به هذا المكان من مزايا هي التي تجتذب الإرادات الكبرى لكي تتصارع عليه، وشاء الله أن يكون العراق هو أكثر الأماكن تميّزاً من جهات عديدة، ولكن ما من ريب أن العراق كان ولما يزل محظياً برعاية خاصة من قبل مدرسة أهل البيت عليهم السلام، والأحاديث الشريفة في هذا الشأن كثيرة جداً، ولك أن تتأمل في الأسباب التي جعلت مثل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقبل إلى هذا البلد ويتخذه عاصمة له دون غيره من البلدان، فمثل الأمير صلوات الله عليه لا يتخذ قرارات اعتباطية أو لا علاقة لها بأهدافه في تأمين المشروع الرباني وإكمال مهمة الرسالة، بل على العكس كل ما اتخذه من قرارات وكل ما قام به من أفعال ونطق به من أقوال إنما كان مبنياً على وفق متطلبات أهدافه الرسالية، ومن الواضح أن مشروع الرسالة ليس نصوصاً تطلق في الهواء، كما فهمه بعض الصحابة الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في رزية الخميس: حسبنا كتاب الله، وإنما هي حراك اجتماعي يهدف إلى تغيير المجتمعات كي تنهض بمهمة تجسيد هذا المشروع على الأرض، وهذا الحراك كلما جرى في مجتمع لديه القابلية على تحمل صعاب هذا المشروع، وعلى أرض لها مزاياها الجيوسياسية التي تتيح له تأمين متطلبات عملية تغيير كبرى، كلما كان أكفأ في إحداث الأثر المطلوب، ولهذا وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وآله لا يبقى في مجتمع مكة، لعدم صلاحية المكان ومن فيه لمهمة إطلاق المشروع، فهاجر إلى المدينة المنورة التي تتميّز بحاضرة اجتماعية أكثر تقبّلاً لمهمة اطلاق المشروع الرباني، وقد رأينا كيف وُفّق في ذلك، وفي نفس الوقت رأينا ان الحاضرة الإجتماعية المكية هي التي ظلت تعمل على إعاقة ذلك، واستمرت في ذلك تارة باسم جبهة المشركين، وأخرى بجبهة المهاجرين، فكليهما عملا على هذه الإعاقة، إذ حاربت الأولى ونكثت الثانية في حدث السقيفة بعهدها على إدامة المشروع، وكان ما كان أن بقيت الرسالة في شكل مشروع تم إطلاقه، ولكنه لا زال يبحث عن المجتمع الذي يحمل أعباءه، وما من ريب أن المجتمع الذي يبلّغ الرسول صلوات الله عليه وآل بانه لا يحتاج إلى توجيهه ويكفيه منه ان ترك الكتاب فيهم، هو مجتمع أعجز من أين يفكّر بهمّ المشروع، وهكذا بقي الأمر قرآن فاعل اللفظ والحروف معطّل المحتوى والمفاهيم، وكانت مهمة أمير المؤمنين عليه السلام  يعنوانه إماماً أن يعمل على إدامة المهمة ووقع الإختيار على العراق منذ ذلك اليوم، بالرغم من أن له تجربة وسابقة مع المجتمع اليمني حينما أرسله الرسول صلوات الله عليه وآله إلى اليمن وبقي مدة كبيرة هناك، ولكنه لم ينتخبه لكي يبذر فيه بذار تأمين هذا المشروع، وكان العراق هو المختار لهذه المهمة.

وقد سار الأئمة عليهم السلام من بعده على نفس المنوال، ومن خلال روايات عديدة وبمصاديق كثيرة أحاط الأئمة صلوات الله عليهم المجتمع العراقي أهمية بالغة، وصبروا على العديد من الآلام والغصص من أجل أن يعي هذا المجتمع ذاته، وأعطت هذه السياسة لبناتها الأولى وترعرعت مئات الكوادر والنخب التي استوعبت المشروع، وبالرغم من عظمة القمع الذي تعرّض له هؤلاء من قبل بني أمية وبني العباس على وجه الخصوص، إلّا إننا بدأنا نلمس مع أواسط العصر العباسي أن التشيّع بدأ يقلب الموازين الاجتماعية، ومع أن هذه الفترة سيطر فيها التوجّه الناصبي بشكل رسمي على المحافل المرتبطة بالدولة العباسية، إلّا أن سياسة القمع في عهد المتوكل والواثق والمعتمد العباسي في خصوص قضية الإمام الحسين عليه السلام يظهر لنا أمران، أولهما أن التمدد الشيعي باتجاه القواعد الشعبية كان قد بلغ مدى كبيراً جداً، وإلا لما احتاج المتوكل ونظرائه إلى كل تلك الإجراءات من أجل الحيلولة عن زيارة الحسين عليه السلام، فالتشدد إنما جاء فبسبب الاتساع الشعبي في تبنّي هذه القضية، وثانيهما أن الممانعة الاجتماعية ضد تلك الأنظمة كانت كبيرة جداً، وهذا هو الذي يفسّر شدّة القمع الذي تعرّض له شيعة أهل البيت عليهم السلام، لأنهم لو مارسوا سياسة القبول بما لدى الآخر لما تعرضوا إلى كل ذلك العنت، ولكن رفضهم لهذه الأساليب واستعدادهم لتحمل الضريبة المترتبة لى هذه الممانعة هو من حقائق تلك المرحلة، حتى بات من الواضح أن قطاعاً كبيراً من كرخ بغداد على سبيل المثال قد حسم فيه الوجود لمصلحة هؤلاء، فيما سارت الكوفة باتجاه ثابت نحو حسم الولاء لأهل البيت عليهم السلام بعد أن كانت في أعمها الأغلب لها ولاء مختلف، وتظهر لنا عصور العهد العباسي المتأخرة أن التشيع قد ضرب بأطنابه بشكل عميق في الفرات الأوسط، بالشكل الذي بدأ يؤثر في القرار السياسي، بل ويصنع ذلك القرار في العديد من الأوقات، وقد أسهم هذا التوسع في تفكيك قاعدة بني العباس، وقد ساعد فساد هؤلاء على ذلك إلى حد كبير.

من الطبيعي أن هذه المظاهر تبتدأ صغيرة ولكنها ككرة الثلج حينما تقطع التاريخ، ومع هذا الاتساع شهدنا موجات من القمع حاول فيها طغاة السياسة أن يقفوا حائلاً دون هذا الوعي، وتعرض المجتمع إلى الكثير من أصناف البلاء، ولكن القدر المتيقن أن البلاء لم يفتّ في عضده، بل كان يدفعه باتجاه التأكيد على الذات، فيما كانت شرائحه الأكثر وعياً تسير بمراحل متقدمة من وعي الذات، وما رأيناه في أزمنتنا المعاصرة من موجات البلاء لا يمكن أن يبرر إلّا بحيوية هذا المجتمع، وإلّا لو تعرض أي مجتمع في العالم لبعض مما تعرض له هذا المجتمع لوجدناهم راضخين مستسلمين لتلك الإرادت الطغيانية التي مرت على العراق.

وها نحن شهود على ما جرى في عهد المجرم صدام ثم ما رأيناه من الحرب الطائفية التي شنّت علينا بعد سقوط النظام وقد رأينا أن مجتمعنا لم يستسلم رغم شدة الهجمات وقساوتها، بل أصبح أكثر وعياً، وأكثر نضجاً للمهمات المطلوبة منه، ولعلّي لا أخطئ التقدير لو قلت إن مطالعة مجريات الزيارة الأربعينية بلغة العالم الإجتماعي تكشف أن التغيير الاجتماعي في العراق قد قطع أشواطاً هائلة، برغم قسوة ومرارة الظروف التي مرت عليه، لا سيما مرارات خيبة الأمل من الواقع السياسي من بعد سقوط المجرم صدام، وما من شكّ أن الاستجابة التعبوية التي أبداها المجتمع العراقي سجّلت رقماً قياسياً تاريخياً لم يسبق إليه أي مجتمع، بصورة فاقت كل الأرقام التي حشّدتها القدرات التعبوية الغربية إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولك أن تتامّل في هذه الحشود الهائلة التي يجتذبها قبر الحسين عليه السلام بهذه الطريقة بحيث تذوب فيهها كل خلافاتها وكل حالات الإتكالية والتهاون وعدم الصبر لتتحول إلى مرجل هائل من الحركة والحيوية، أقول لو قدّر لنا أن نتأمّل اكثر من ذلك فسنرى أن هذا المجتمع لا يحتاج إلّا إلى القائد الذي يخرج مارد الشوق لتحقيق مشروع أئمة الهدى صلوات الله عليهم، ولو رأينا ما صنعه قبر الحسين عليه السلام بهذا المجتمع، ترى ماذا سيصنع ابن الإمام الحسين عليه السلام والآخذ بثأره صلوات الله عليه؟

لا شك أن هذه النتيجة التي وصلنا إليها تظهر أن البلاء والعنف الذي وسم العراق والذي لم يتبق منه إلا ثمالة كأس من الأيام كان بمثابة مدرسة تربى فيها هذا المجتمع، وقد ظهر بحمد الله كفوءا في تحمل استحقاقات هذا الامتحان، ولا يضيرك بعض الصفحات الاجتماعية التي قد تخل بهذا المشهد ولكن الصورة العامة تبرز تفوقاً كبيراً جداً، من هنا نعرف أي حكمة كانت تقف وراء انتخاب الإمام المنتظر للعراق ولمجتمعه في أن يكون هو الحاضن الرئيسي لمشروع حكومة العدل الإلهية، من خلال اتخاذ العراق عاصمة له، ومن بعده عاصمة لكل العالم.

أعود وأقول أن الأحداث المهمة في التجربة التاريخية لا تحصل إلا في الشعوب التي تتحمل مسؤوليتها التاريخية، ومعه يمكن القول بأن الحاجة لمعرفة جواب سؤالكم حول ما إذا كان هذا البلاء عنصر قوة أو عنصر ضعف للعراق؟ فها قد رأيت أن البلاء أنتج عظمة شعب وجلّاها على مرأى الأشهاد، بالرغم من أن الحكومات التي تعاقبت عليه كانت مجتهدة في أن تبقي هذه العظمة بعيدة عن الأنظار، وتوهّمت حينما فتحت السجون والمقابر أن تخفي هذه الإرادة أو تمسخها إلى إرادة خانعة أو راكعة أمام أدوات القمع، وما دروا أن من تربى على دروس كربلاء لا يمكن إذلاله؟.

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
7 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :3487
عدد زوار الموقع الكلي: 6767658
مواعيد الصلاة
يا فرج الله متى ترانا ونراك؟