بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

المقدمة



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على حبيب الله أبي القاسم محمد وعلى الهداة الميامين من أهل بيته الطيبين الطاهرين.

لشدّ ما ظلم مذهب أهل البيت (صلوات الله عليهم) من قبل جميع من أرّخوا له من كتاب ومؤلفي العامة، وقد غدا من المعتاد أن المنتمي لهذا المذهب الشريف حينما يطالع ما كتب عن مذهبه يجد التزوير الهائل الذي يطال عملية التعريف بالمذهب تأريخا وعقيدة، ولا نستغرب ذلك في وسط الحقد والكراهية التي التزم بها مؤرخوا الفرق الأولون، والتي جعلت الكذب على المذهب ووصمه بكل شائنة من مميزات هؤلاء بالرغم من إن بعضهم يكتب من واقع يجهل فيه ألف باء المذهب وبديهيات الحقائق، وقد جرى اللاحقون وراء السابقون يقلدّونهم في كل حرف من دون أن يكبّدوا أنفسهم عناء معرفة الحق فيما يكتبه هؤلاء، ولعل من خلال إطلالة سريعة على ما كتبه مؤرخوا الفرق المتقدمين كالأشعري والملطي الشافعي وابن بطة الحنبلي والاسفرائينيين ومن لحق بهم كابن حزم الظاهري والشهرستاني والتفتازاني وابن العربي المالكي سيجعل المحقق مقتنعاً إن هؤلاء يكتبون عن جهل أو غل أكثر من أي شيء آخر، رغم علمية أكثر لدى عبد الكريم الشهرستاني ولكنه ومن سبقه اجترّوا ما نقل إليهم دون دراية ودون أدنى تفحص ونظر، وقد جرى جلّ كلامهم خالياً من أي دليل أو مرجع يمكن أن يحتجّ به المحققون حتى جعل كاتباً كالدكتور محمود إسماعيل يشير إلى ذلك بمرارة فيقول: الباحث في تاريخ وعقائد المذهب الشيعي الاثنا عشري ممتحن أشقّ الامتحان وأعسره، لا لأن أتباع هذا المذهب المعاصرين يشكلون السواد الأعظم من الشيعة في العالم الإسلامي فحسب، بل لكون الشيعة الإثنا عشرية أكثر تعرضاً للإفتراءات من جانب أهل السنة ومنظريهم القدامى والمحدثين على السواء.[1]

ولئن كان عذر القدامى جهلهم أو غلّهم أو قصورهم ـ لو أحسنا الظن ـ فإن الإنسان يفغر فاهه عجباً وهو يرى كتابات الباحثين الجدد وهي تردد نفس الافتراءات دون وجل أو حياء متوهمين الصدق فيما نقله مؤرخوا الفرق المذكورين لتأتي كتابتهم أو ما يتصورنه اجترار لنفس الصورة التي كتب عنها المتقدمون مع إن الشيعة وكتبهم أصبحت في متناول أيدي الجميع مسلم وغيره، وفي عصر الاتصال الجمعي ويسر المعلومة ما عاد ليخفى على الباحثين الجادين إن أرادوا التدقيق للوصول إلى ما ينشدون من معلومات عن التشيع فكراً وتاريخاً وحضارة، ولئن رأينا بعض الأفكار التي اقتربت من الانصاف قد تسرّبت وبشكل نادر في كتابات الدكتور علي سامي النشار وحسن حنفي وهم من نوادر مؤرخي الفرق المعاصرين إلا إنهم وقعوا أيضاً في مطبّات كبيرة نتيجة لاعتمادهم على مؤرخي الفرق القدامى، ولن أشير إلى كتّاب الحقد الوهابي كطه الدليمي وعثمان الخميس وعلي السالوس وناصر القفاري وغالب علي عواجي فضلاً عن إحسان إلهي ظهير، أو الذين لم يحترموا علمهم وعقلهم فراحوا يغترفون من كل ماء حتى لو كان آسناً نتناً كالدكتور محمد ابراهيم الفيومي والدكتور علي عبد الفتاح المغربي وعبد المنعم الحفني فضلاً عن صابر طعيمة، أو إلى التقليديين الذين لم يطلقوا العنان لفكرهم وعقلهم لكي يسبر الأمور على حقيقتها كالشيخ محمد أبي زهرة ونظرائه، فللأسف كثيراً ما أسفّوا وحوت كتبهم الكثير الكثير من عدم الدقة وتخلوا عن الانصاف والموضوعية، فجاءت كتاباتهم تنضح بالإجحاف.

وأعتقد إن الزمن المعاصر جعل الكتابة عن التشيع تاريخا وفكراً ضرورة لازمة ليس لأن الأكاذيب قد كثرت عليه فحسب، ففكر ظل دوماً في حال المعارضة للأنظمة المتعاقبة عبر التاريخ حري به أن ينال من ظلم هذه الأنظمة الشيء الكثير، بل القدر الأعظم من ظلمهم كان مسلّطاً على الشيعة لأنهم كانوا البديل المتكامل لهذه الأنطمة، ولهذا ساموهم ما ساموهم من تنكيل وكان الافتراء عليهم وتشويه واقعهم هو أحد الأساليب البديهية في عمل تلك الأنظمة، ولئن رأينا ما فعل العباسيون مع أحمد بن حنبل وصحبه نتيجة لما سمي بمحنة خلق القرآن وهي مسألة لا علاقة لها بحكم ولا بسياسة، فماذا سيفعلون بمن كان وضعهم كله يمثل نقيضاً للأوضاع التي كان العباسيون يؤسسون لها ويحمونها؟!

وليست الحاجة لذلك منحصرة في علو نجم الشيعة في الزمن المعاصر، ونمو الاقبال عليهم من عامة الناس، وما الصرخة اليائسة التي أطلقها الشيخ يوسف القرضاوي وأمثاله والتي يحذر فيها من تنامي الوضع الشيعي[2] إلا مؤشر على عدم قدرة الحصار الفكري المضروب على الشيعة من التماسك، لأن الزمن باتت فيه القدرة كبيرة للتعرف على الحقيقة كما هي، وسط تنامي القدرة الشيعية المتزامنة مع أعمال وأحداث من طبيعتها كما هو حال أحداث التصدي للصهاينة وما يجري في العراق وما جرى قبلاً في إيران أن تثير تساؤل من لا يعرف، وهو التساؤل الذي ينتهي في الغالب إلى الإذعان لحقهم ومنطقهم.

ولكن أعتقد إن أكثر ما يحثّني على الكتابة في ذلك ـ ناهيك عن الأسباب أعلاه ـ هو إن التجهيل بالشيعة يؤدي إلى قتلهم في هذا الزمن، وما جرى في العراق ولبنان وباكستان وإيران وغيرها من الدول التي شهدت قتلاً طائفياً مبني في الغالب على أساس الأوهام التي يعيشها هؤلاء القتلة عن الشيعة، وبالرغم من إن مشروع الفتنة الطائفية أنكلو أمريكي برعاية صهيونية مباشرة، إلا إن من جُنّدوا ليفجّروا أنفسهم أو يتجهوا لسفك دماء المسلمين الشيعة كانوا قد عبئت أدمغتهم بسيل هائل من المعلومات المكذوبة عن الشيعة، وإن الكتابة عنهم ليس تحصيناً للشيعة فقط، وإنما هو بنفسه تحصين للسنة، الذين يحاول المخربون أن يعبثوا بأمنهم من خلال إغرائهم بحرب الشيعة، وما جرى من أحداث مؤلمة في العراق راح ضحيتها عشرات الآلاف من الطائفتين الكريمتين ما كان ليكون لو كانت الصورة الموجودة في أذهان هؤلاء الذين تم التغرير بهم واضحة، ولا يحسبن أحداً إن ما أقوله يمثل مبالغة في هذا المجال، بل على العكس هو سرد جدي لواقع نعايشه.

لقد كنت راجعاً من حج عام 1998 أيام هجرتنا من العراق إلى سوريا، وصادف أن تأخرت الطائرة السورية التي تقلّنا إلى دمشق فتجمع حجاج الطائرة السورية في مكان واحد من مطار جدة حتى أزف موعد صلاة المغرب فوقفت أصلي ووقف غيري من الحجاج يصلون، حتى إذا ما انتهيت من الصلاة اقترب مني أحد الرجال ممن شارف على نهاية الستينات من عمره عرف نفسه لاحقا من ملاكي الأرض في حلب، وسألني: يبدو أن الحاج من الجعفرية؟ فأنعمت له بالجواب وأضفت بتعمّد لكي استفزّه للحديث عن التشيع: قلت له وأتشرف! فقال لي: وتتشرف كمان؟ قلت له: ما كان لي أن انتمي إلى مذهب لا أتشرف بالانتساب إليه! فقال لي بعد تردد: لدي سؤال وأخجل ان أطرحه، وحينما كنت أتصور إن سؤاله سيتعلق بمسألة فقهية عن الطهارة أو الجنس مما اعتدنا أن يستحي الناس أن يسألوا عنها قلت له: لا داعي للخجل فلا حياء في الدين واسأل ما بدا لك، ولكنه باغتني بشدة حينما سألني جعلني أفرط بالضحك إلى حد أني غصصت بضحكتي، قال لي: هل صحيح إن لديكم معاشر الجعفرية ذنب (ذيل) في خلفكم؟!! والرجل حينما رآى ضحكتي خجل كثيراً خاصة وإني قلت له وضحكتي تغالبني: وأنت شو رأيك؟ فقال: والله يا حاج يبدو إن شيخي كذب علي! ثم تطور الحديث إلى أني حدثته عن مثل هذه الأكاذيب فاعتذر مني بشدة.

هذا الحال ليس حال عوام الناس فقط، وإنما هو ينقل للأسف عن شيخه، وإن ذلك ذكرني بما كنت قد سمعته مباشرة من قبل أحد المشايخ السوريين حينما كنت أقف عند أحد المحلات في منطقة حي الأمين في سوريا وكان الرجل يقف خلفي فقال وهو يسمعني: اللهم العن كل من يكذّب جبرئيل الأمين، فبادرت لإسماعه تأميناً على لعنه، فقال لي: انا كنت أقصد أمثالك لأنكم في عقب كل صلاة تقولون: خان الأمين خان الأمين!! فقلت له: من قال لك؟ قال: أنا متيقن وأنا رأيتكم تفعلون لأني عاشرتكم وعرفتكم!! فقلت له: بالله عليك هل رأيتنا أو سمعتنا؟ قال: بل رأيتكم ترفعون أيديكم عقب الصلاة، فقلت له: وما أدراك ما كنّا نقول، فهل قرأت كتبنا الفقهية؟ فنفى ذلك، فقلت له: أتعتقد إننا نصلي؟ قال: نعم رأيتكم تصلون، فقلت: والصلاة هذه أليست هي الصلاة التي نزل بها جبرئيل؟ فأنعم بالجواب، فقلت له: إذن كيف نخوّن الأمين جبرئيل ونحن نصلي بصلاته؟ فخجل الرجل وقال لي: إذن ماذا تقولون حين ترفعون أياديكم عقب الصلاة قلت له: نحن نكبّر بعد انتهاء الصلاة لننهيها كما بدأناها بالتكبير!! على أي حال من يطالع لابن تيمية ما كتبه في منهاج سنته والعديد من كتاباتهم يعرف جيداً إن هذه الأكاذيب نظّر لها بشكل كبير من قبل أناس ليسوا من العوام ولكنهم يعتقدون أن الكذب على الشيعة هو تقرّب إلى الله تعالى!! وكيف لا؟ وقد اعتبروا قتلهم هو من أعظم القربات إلى الله!!

لهذه الأسباب ولغيرها وجدتني اتجه إلى الإمساك بالقلم لكي أخط هذه السطور، وإن كانت بعض أبحاثها جاءت بشكل متفرق زمنياً إذ أن المبحث المتعلق بعبد الله بن سبأ يعود لعلم 1997 وفضله يعود لأسئلة وجهها لي الشهيد مشتاق طالب محمد الذي قطع رأسه في أحداث الفتنة الطائفية في بغداد وكان الشهيد قد راسلني بأسئلته من ليبيا، كما وأن المباحث المتعلقة بتأريخ التشيع يعود إلى الأيام التي كنت أكتب فيها كتاب عصمة المعصوم (ع) أي أواخر عام 1999، وكنت قد قدمت ديباجتين بين يدي البحث تحدثت في الأولى منها عن آليات البحث في تاريخ الفرق الإسلامية، وتناولت في الثانية عوامل التجميع والتفريق كما عرضت في القرآن الكريم والمتسالم عليه من السنة الشريفة، فيما اختص الفصل الأول بمبحث باكورة تاريخ التشيع وقد ناقشت فيها النظريات الموجودة في هذا المجال وبطبيعة الحال فقد استوعبت الكلام في قصة عبد الله بن سبأ في اتجاهاتها الثلاثة أي بين النافين لوجوده والمشككين به كما هو رأي طه حسين وعلي سامي النشار والسيد مرتضى العسكري ونظرائهم من المعاصرين، وبين المبالغين بوجوده وهم عموم مؤرخي الفرق من أهل السنة وحشوية المتحدثين، وبين الاتجاه الذي عرضت له روايات أهل البيت ع، وفي الفصل الثاني تحدثت عن مراحل تأسيس وتأصيل مذهب أهل البيت (ع) وتأطيره، أما الفصل الثالث فقد عرضت لأهم الأفكار والرؤى التي يلتزم بها التشيع، وفي الفصل الرابع توقفت عند أوهام وأباطيل مؤرخي الفرق المتقدمين والمتأخرين وقد أخذت واحداً واحداً كنماذج وبيّنت أدلة وهمهم ودليل نقضه، أما في الفصل الخامس فقد اختصصته لبحث بعض الشبهات التي أطلقت على التشيع والشيعة وقدمتها كنماذج لطبيعة التشويه الذي طال صورة التشيع وأسبابه، أما الفصل السادس والذي اختتمت فيه الكتاب فقد خصصته للحديث عن علاقة الشيعة بغيرهم على المستوى الفكري مشفوعاً بنماذج تاريخية وهذا البحث مطلوب جداً في هذه الفترة لوجود الكثير من المحاولات التي يحاول فيها البعض تصوير الفكر الشيعي وكأنه فكر تكفيري لغير الشيعة وإن التشيع يتميز بالطرد لا بالجذب، وقد بيّنت فيه محاولات الشيعة الدؤوبة للعيش المشترك والتعايش مع الجميع، وما حالة التقية التي اشتهر به الشيعة إلا نموذجاً صارخاً لرغبات التعايش الاجتماعي التي تميّز الشيعة، وقد أنهيت الكتاب بخاتمة بيّنت فيها جانباً من الرؤى الخاصة بالوحدة بين المسلمين سائلاً المولى العلي القدير أن يجعل هذا العمل مقبولاً لديه وأن يجعله ذخيرة لي ولوالدي وذريتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله أولاً وآخراً وصلاته وسلامه على رسوله وآله أبداً.

بغداد جامع بَرَاثا في 13 شعبان المعظم 1431

الشيخ جلال الدين علي الصغير


[1] فرق الشيعة بين التفكير السياسي والنفي الديني: 93 محمود إسماعيل سينا للنشر ـ القاهرة 1995 ط1.

[2] واحدة من أسباب صرخته تعود على ما يبدو لتشيع ابنه عبد الرحمن الشاعر المعروف.

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
9 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :524
عدد زوار الموقع الكلي: 7532875
كلمات مضيئة
قال الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ): أحبب حبيبك هونا ما ، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وابغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما