بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

في أي مكان كانت ولادة السيد المسيح عليه السلام؟

454طباعة الموضوع 2018-12-24


علي هداب (منتظرون)

سؤال الى سماحة الشيخ: في اي مكان كانت ولادة السيد المسيح عليه السلام ؟

الجواب: في البداية لا بد من ابداء الاسف الشديد لما اجد ان الكثير من الباحثين الاسلاميين لم يأخذوا بعين الاعتبار المعطيات الجغرافية والتضاريسية التي طرحها القرآن الكريم في خصوص موضع ولادة عيسى عليه السلام، وظل الكثير من هؤلاء يلتزمون باستصحاب ما ذكره النصارى في هذا المجال، فالقران يتحدث عن نخيل ورطب جني، وفلسطين بشكل عام وبيت لحم بشكل خاص لا نخل فيها في ذلك الوقت، ويمكن القول ان اول نخل زرع فيها هو نخل سيدنا هاشم جد النبي صلوات الله عليهما في غزة اذ كان يجمع النوى طوال الطريق ويأتي به الى غزة ليزرعه فيها، ولذلك تسمى غزة بغزة هاشم، وكان يفد اليها في رحلة قريش كل سنة الى الشام، كما انهم لم يعطوا أهمية تذكر لكلمتي "قصياً" و"شرقياً" التي وردت في آيات سورة مريم، وهو تصريح بأنها تركت المكان باتجاه منطقة شرقية وبعيدة عن مكانها السابق، كما انهم لم يلاحظوا ما يترتب على قولها يا ليتني مت قبل هذا وتداعياته في اللبث بمكانها او الهرب منه، علاوة على انهم لم يلاحظوا قصة السري وهو نهر الماء الذي جرى من تحتها،  وفي نفس الاتجاه تم الإعراض عن قوله تعالى بأنها عليها السلام أوت وابنها {الى ربوة ذات قرار ومعين}  المؤمنون: ٥٠، وكل هذه المعطيات تجعل الولادة المباركة لعيسى عليه السلام مستحيلة في بيت لحم، نعم يمكن لبيت لحم ان تكون اول ظهور لعيسى عليه السلام من بعد رجوع امه عليها السلام الى فلسطين من العراق.

وتباينت المواقف في رواياتنا في تشخيص موضع الولادة، ويمكن الإشارة إليها في ثلاثة اتجاهات، ولكن قبل ذلك لا بد من الاشارة إلى أن الروايات اجمعت على ان الربوة هي الكوفة، والمعين هو الفرات،  (انظر: كامل الزيارات ٤٨ ب١٣ ح٥، ومعاني الأخبار: ٣٧٣، ومزار الشيخ المفيد: ١٦ ح٣، وتهذيب الأحكام ٦: ٣٨ ح٧٩ وقريب من ذلك ما جاء في تفسير القمي ٢: ٦٧، وغير ذلك من مصادر الرواية والحديث) وبالتالي فان القدر المتيقن ان الولادة كانت في العراق، لان الإيواء تم بعد الولادة المباركة، وهذا يعني حتمية الولادة على مقربة من المحل الذي أوت إليه، فلا تغفل ذلك.

اما اتجاهات الروايات فأولاها هو ما ورد في رواية المعراج  التي أوردها القمي في تفسيره والتي تنص على ان الولادة كانت في بيت لحم، (تفسير القمي ١: ٣٦٩) والرواية مع كون صحة سندها، غير انه يلاحظ تفرد القمي بها، وكونها متطابقة لفظاً ومعنىً وإلى حد بعيد مع مرويات العامة في هذا المجال (روى الرواية الترمذي في سننه، والحاكم في مستدركه وابو داود الطيالسي في مسنده، والهيثمي في مجمع الزوائد، والطبراني في المعجم الكبير، والخطيب في تاريخ بغداد، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، والمتقي الهندي في كنز العمال)، ولذلك حملها على التقية قريب جدا، لاسيما انها مخالفة في ظاهرها للمعطيات القرانية، والروايات التي اشارت الى غير بيت لحم اكثر منها، واكثر انسجاماً مع المعطيات القرانية التي اشرت إليها.

اما الاتجاه الثاني فهو الذي يشير الى ان الولادة كانت في العراق قريب الفرات، وقسم منها يشير الى كربلاء، فقد روى الشيخ الطوسي عن الامام زين العابدين عليه السلام انه قال في قوله تعالى: " فحملته فانتبذت به مكانا قصيا " قال: خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام. تهذيب الأحكام ٦: ٧٣ ح١٣٩).

وروى السيد الراوندي في قصص الأنبياء عن يحيى بن عبد الله قال: كنا بالحيرة فركبت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا حيال قرية فوق الماصر قال: هي هي، حين قرب من الشط و صار على شفير الفرات، ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: أتدري أين ولد عيسى عليه السلام؟ قلت: لا، قال: في هذا الموضع الذي أنا فيه جالس، ثم قال: أتدري أين كانت النخلة؟ قلت: لا، فمد يده خلفه فقال: في هذا المكان، ثم قال: أتدري ما القرار وما الماء المعين؟ قلت: لا، قال: هذا هو الفرات. قصص الأنبياء: ٢٦٤ ح ٣٣٣).

وفي الكافي روى الكليني بسنده إلى أبي إبراهيم الامام الكاظم صلوات الله عليه وهو يسأل نصرانياً قال: فقال له أبو إبراهيم عليه السلام: والنهر الذي ولدت عليه مريم عيسى هل تعرفه؟قال: لا، قال: هو الفرات. (الكافي ١: ٤٨٠ ح٤).

 

اما الاتجاه الثالث من الروايات فهو يسمي ارض براثا وهي موضع الجامع المعروف في بغداد بانها ارض عيسى وبيت مريم، كما جاء ذلك في رواية الشيخ الطوسي في اماليه بسنده للامام الباقر عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء، فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها، فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة، فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له، فقال له الراهب: لا تنزل هذه الأرض بجيشك قال: ولم؟ قال: لأنها لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي يقاتل في سبيل الله عز وجل هكذا نجد في كتبنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا وصي سيد الأنبياء، وسيد الأوصياء فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش، ووصي محمد، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خذ علي شرائع الاسلام، إني وجدت في الإنجيل نعتك وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى عليه السلام، فأتى أمير المؤمنين عليه السلام موضعاً فلكزه برجله فانبجست عين خرارة، فقال: هذه عين مريم التي أنبعت لها، ثم قال: اكشفوا ههنا على سبعة عشر ذراعا، فكشف فإذا بصخرة بيضاء، فقال عليه السلام: على هذه وضعت مريم عيسى عليه السلام من عاتقها وصلت ههنا، ثم قال: أرض براثا هذه بيت مريم عليها السلام. 

فنصب أمير المؤمنين (عليه السلام) الصخرة وصلى إليها، وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة، وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة، ثم قال: أرض براثا، هذا بيت مريم (عليها السلام)، هذا الموضع المقدس صلى فيه الأنبياء.

قال أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام): ولقد وجدنا أنه صلى فيه إبراهيم (عليه السلام) قبل عيسى (عليه السلام). امالي الطوسي : ١٩٩-٢٠٠ ح٣٤٠.

 ومع ان كلمة الوضع والموضع الواردة في شأن عيسى عليه السلام في هذه الرواية لا تنحصر في معنى الولادة، ولكنه الأسرع إلى التبادر في الذهن.

ومن المهم ان اذكر هنا عدة ملاحظات اولها: ان الكاردينال الكاثوليكي العراقي ايمانويل دلي المتوفي حديثاً ذكر لي ان اسم براثا سرياني متشكل من كلمتين اولها (بر) وتعني ابن، وثانيها (آثا) وتعني العجائب، ولم استطع الرجوع إلى قاموس سرياني لغرض توثيق هذه المعلومة، مع ان الرجل لا يتهم فيما ذكره، ومن الواضح ان مصطلح ابن العجائب لا يطلق الا على عيسى عليه السلام.

ثانيها: ان الصخرة البيضاء الموجودة حاليا في المسجد يؤكد المتحف العراقي على انها تعود الى العصور الرومانية.

ثالثاً: إن الصخرة السوداء الموجودة حاليا هي صخرة معدنية، ويؤكد المتحف العراقي على قدمها، وقد ورد في رواية أنس بن مالك عدم قدرة اصحاب امير المؤمنين عليه السلام على قلع صخرة في الموضع الذي امرهم بحفره قال بعد ان قص كيف جاء أمير المؤمنين إلى المكان:ثم قال: ومن أن تشرب يا حباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، من دجلة هيهنا. قال: فلم لا تحفر هيهنا عينا أو بئرا؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، كلما حفرنا بئرا وجدناها مالحة غير عذبة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:احفر هاهنا بئرا. فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها. فقلعها أمير المؤمنين، فانقلعت عن عين أحلى من الشهد... اليقين  باختصاص مولانا علي عليه السلام بإمرة المؤمنين: ٤٢١ ب١٥٦، وهذا ما يتناسب مع طبيعة معدنيتها ومع ان الانفجارات التي طالت الجامع عام ٢٠٠٦ كان احدها قريب جداً من الصخرة إلا أنها لم تتأثر بالتفجير.

 

بناء على كل ذلك أجد أن القول بولادة عيسى في بيت لحم يتناقض مع معطيات القرآن الكريم، وأن الروايات شبه مجمعة على كون الولادة في العراق والتي هي أكثر إنسجاماً مع المعطيات القرآنية، ويمكن توجيه القول بكونه في بيت لحم، بأن أول رؤية الناس له بعد ولادته كانت في بيت لحم، مع وضوح ان مريم عليها السلام قبل الولادة قد ذهبت به بعيدا جداً عن ديارها.

 

هذا وقد تحدثنا بتفصيل اكثر في تعليقتنا على تفسير اية: {فأجاءها المخاض الى جذع النخلة} في الجزء الرابع عشر من تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس سره، وهو ما نأمل ان يرى النور في هذه السنة ان قيض الله لنا توفيقاً.

 

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
3 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :3166
عدد زوار الموقع الكلي: 8293074
كلمات مضيئة
يا فرج الله متى ترانا ونراك؟