بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

136: ما هي الآليات التي اتخذها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من أجل تحقيق الآية الكريمة: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون؟



أبو هادي العاملي ـ لبنان (الفيسبوك): قال تعالى: (هوَ الذي أرسلَ رسولـَه بالهـُدى ودين الحقِ ليظهرَهُ على الدين ِ كله ِ ولو كرهَ المشركون) فهل الآية تدلّ على المخلّص المنقذ، وما رأيكم بما يُشكل بأن الآية الكريمة تقول: إن الدين لم يظهر في الارض كلّها، منذ أن خلق الله الارض، وبالتالي لا بد من أن يأتي هذا اليوم ويتحقق هذا الوعد، ولكن ماذا نقول في ظهور الدين بعد النبي نوح عليه السلام حيث خرج من السفينة، ولم يكن على الأرض من الكافرين أحد، فهل يعد هذا ظهورا؟!

الجواب: من الواضح أن الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أطلق مشروع تطهير الأرض من الشرك والكفر، بعد الركام الكبير الذي علاه نتيجة لسلوك الأمم المختلفة مع أنبيائها، ولكن هناك فرق بين اطلاق المشروع وبين تجسيده وتحويله إلى واقع اجتماعي وسياسي، ولأن الإرادة الربانية قائمة على أساس أن لا يكون إجبار في عملية هداية الناس، ولهذا فمن البديهي أن نتساءل عن كيفية وفاء الله بوعده، وعن طبيعة الآلية الناظمة لما أطلق في هذه الآية الشريفة.

وبداهة فإن هذا الوفاء يجب أولاً أن نفككه عن حالة الإجبار الإرادي لتحقيق لك، ونربطه بسنة الله التي لا تغيّر ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم، عندئذ من الطبيعي أن نكون في قبالة الحاجة لعدة أجيال يمكن من خلالها أن نرى تبلور هذا الوعد الرباني وبالتالي نتطلع للوفاء له، ومن الخلل بمكان أن يقال أن الآية الشريفة قد تحققت في عهد رسول الله صلوات الله عليه وآله، وبكلمة أخرى فإن هذا الوعد الرباني والفيض الإلهي بعنوانه علة فاعلة، يتطلب وجود العلة القابلة أو بتعبير أبسط نقول: بأن هذا الوعد يتطلب وجود الحاضن له، والحاضن لا يتوقف على شخص الرسول صلوات الله عليه وآله، بل هو دوماً بحاجة إلى خمسة متطلبات أساسية وموضوعية والتي تدخل ضمن السنن الإلهية التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً:

أولها: المشروع في أبعاده العقائدية والفكرية.

وثانيها: المنظومة السلوكية والتشريعية التي تعطي القاعدة الاجتماعية المؤمنة بهذا المشروع الضوابط التي من شأنها أن تجعل انتظامهم وسلوكهم يصب في رافد المشروع لا في ثناياه أو في خارج مصبه، شريطة أن تنسجم هذه المنظومة مع البنية العقائدية التي قام باطلاقها المشروع.

وثالثها: قدرة المشروع على اطلاق عملية تعبوية قادرة على التجدد، وفيها الكثير مما تحتاجه المنظومة السلوكية من عوامل الاستنهاض لمواجهة عوامل الإعاقة أو التغرير التي في العادة تواجه الأمم فتحرفها عن المشروع أو تردعها عنه، مما يحولّ القاعدة الاجتماعية إلى حاضنة اجتماعية تتحمل مسؤوليتها كاملة في إيجاد المشروع والعمل من أجل تكريسه في الواقع الاجتماعي.

ورابعها: القائد المؤتمن على مصالح هذا المشروع، والذي يسهر على إبقاء المسيرة ضمن إطار الهدف وعدم انحراف الأمة.

وخامسها: المؤسسة التنفيذية التي من شأنها أن تهيئ الإمكانات المادية والبشرية وتوجد الآليات الناظمة لتحقيق المشروع.

ولو أردنا تطبيق ذلك على المشروع الرسولي في التعامل مع هذه الآية الكريمة، سنجد أن الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله قد أطلق المشروع عبر طرح المشروع في بنيته العقائدية العامة، وفي منظومته السلوكية والتشريعية ضمن خطوطها العامة، ولو لم يك ذلك لما وجدنا حديث الآية الكريمة عن إتمام الدين وإكمال النعمة له معنى، ولكن المشكلة كمنت في النقاط الثلاثة الأخرى، وهي التي ترتبط بقوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فالآية لكونها نزلت في أواخر أيام الرسالة، فمن الطبيعي ان نقول بأنها نزلت بعد اطلاق المشروع في منظومته الفكرة والعقائدية وكذلك في منظومته التشريعية والسلوكية، وقد كانت كل الإجراءات التي اتخذت من بعد نزول هذه الآية من أجل معالجة النقاط الثلاثة الأخرى وأعني القائد والمشروع التعبوي والمؤسسة الناظمة لتنفيذ المشروع وتكريسه على وجه الأرض، ولهذا فمن يراجع خطبة الوداع أو خطبة الغدير أو حديث رزية الخميس يجد أن الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله حينما طرح حديث الثقلين في خطبة الوداع طرحه ضمن بعد (ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً) وهو المعادل الموضوعي لوجود الحاضنة الاجتماعية التي تحمل مسؤوليتها التاريخية بشكل كامل لتحقيق هذا الوعد الرباني، فهذه الحاضنة لن تضل أبداً بمعنى أنها تبقى في إطار الهدف وتتقدم من أجل تحقيقه، وهو نفس الأمر تكرر في رزية الخميس والذي طرحه الرسول الأكرم بأبي وأمي بطريقة: (آتوني بدواة وكتف أكتب لكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً)، وما بينهما كان حديث الغدير الذي يتحدث عن مسألة القيادة بقوله الذي طرحه عبر التساؤل التاريخي الكبير: من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقال الناس: الله ونبيه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وما من مجال لسخف التفكير لحرف الولاية هنا عن كونها المشروع الرباني الذي نهض به الرسول صلوات الله عليه وآله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، إلى كونها مجرد شعور عاطفي أو وجداني المطلوب منه إبداء الود أو المحبة لمن سيشخصه الرسول صلوات الله عليه وآله من بعد ذلك لهذا الموضع.

مما يؤكد لنا أن إجراءات الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله في أيامه الأخيرة كانت منصبّة على هذه الإجراءات التي وسمتها الآية الكريمة (بلغ ما أنزل إليك) وبأنها إن لم تتم فكأن جهده التبليغي ما كان له أثر، ولو حللناها لوجدنا في حديث خطبة الوداع تشخيص للمؤسسة القيادية وتشخيص للأمة الحاضنة، وهو نفس الأمر نجده في حديث الرزية، أما في حديث الغدير فسنجد تشخيص القائد، وحفظ المؤسسة الناظمة (الحكم) بيد الولاية الرسولية، واطلاق المشروع التعبوي في صورة الولاء والبراءة: (اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

ولئن حاولت السقيفة المشؤومة وأد المشروع إلا أن وعد الله نافذ وأمره قائم، ومسيرة النقش على حجر القلوب الصدأة سيستمر إلى اليوم الذي تكتمل فيه مقتضيات التحقيق للوعد الرباني بصورته الأولى والتي طرحها الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله في إرهاصتها الأولى بما رواه العامة قبل الخاصة ومنها ما رواه بسند صحيح عندهم ابن ماجة القزويني: لا يزال طائفة من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل،[1] وفي خاتمة مسير هذه الأمة جعل مشروع الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف الذي وعد بأنه سيخرج الناس من الظلم والجور ويعمم عليهم القسط والعدل، وبصورته التامة والنهائية والتي طرحتها الآية الكريمة من أجل تجسيد مشروع إظهار الدين على البشرية جمعاء، مما اقتضى رجوع الأئمة صلوات الله عليهم ممن لم يقم بالدور المهدوي ـ وهو إقامة القسط والعدل في وسط الناس ـ لتحقيق هذا الدور من بعد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ولذلك كان حديثهم صلوات الله عليهم عن مجيئ إثني عشر مهدياً من بعد الإمام المهدي صلوات الله عليهم، وأولهم كما هو مقتضى الروايات الشريفة الإمام الحسين عليه السلام، وليس كما تصوره بعض المنحرفين والأدعياء بأن هناك إثنى عشر مهدياً غير الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم.

أما ما تم الإشكال عليه في قضية دين الناس بعد الطوفان، فإنه في الواقع ليس الظهور الذي تتحدث عنه الآية الكريمة، وإلا لما وجدنا الإنحراف هو الذي يسارع إلى دين نفس هؤلاء، فدين ما بعد الطوفان كان ديناً لما يكتمل بعد من جهة، ولم يك مهيئاً لتحقيق ما رمت إليه الآية الكريمة، ولم يكن العالم مهيئاً بعد لبروز التعقيدات الاجتماعية والسياسية المختلفة والتي بموجبها يكون طرح الحجة البالغة التي تعالج كل التعقيدات البشرية ولا تبقي لمحتج حجة.

 

[1] سنن ابن ماجة: 21 ح10.

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
17 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :5108
عدد زوار الموقع الكلي: 7854369
كلمات مضيئة
الإمام الباقر عليه السلام: إنما يعرف القرآن من خوطب به