بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

الثلاثاء العراقي الأبيض والثلاثاء الأمريكي الأسود ورهانات التأهيل المهدوي

1174طباعة الموضوع 2020-01-02

الثلاثاء العراقي الأبيض والثلاثاء الأمريكي الأسود ورهانات التأهيل المهدوي

حينما احتفل الرئيس الامريكي بإحراق بوابة القنصلية الايرانية في كربلاء وأشاد بعصابات الجوكر التي مارست عملية الاحراق، واعتبر ذلك تصفية لحساب إحتلال السفارة الامريكية من قبل الطلبة الإيرانيين عام ١٩٧٩، أثار عجبي واستغرابي لشدة الحماقة الدبلوماسية وقلة الكياسة التي انطوى عليه تصرفه هذا.

 

وحينما بادر بشكل سريع لاتهام ايران بانها وراء محاصرة السفارة الامريكية في بغداد يوم الثلاثاء الأبيض والتي نفذت من قبل الجماهير الغاضبة لدماء أبناء الوطن التي سفكها الجزار الأمريكي في القائم، عاودني نفس شعور الذي انتابني في عملية إحراق بوابة القنصلية الإيرانية في كربلاء، فما من عاقل يخوض في الشأن الدبلوماسي ويعي ما يتوجب في هذه المواقف إلا ويتجنب ما فعله ترامب بل ويحذر منه.

 

فالأعراف الدبلوماسية كلما تم توفير الاحترام لها كلما أثمرت عن مواقف متبادلة، وكلما انتهكت كلما ساهمت بتكريس عملية الانتهاك، إذ لا يوجد منطق يمكن أن يقبل بانتهاك ما أو يمرره، الا وعليه أن يتوقع ويقبل أن يسري عليه بما يماثله ويمرره، ومع أنه لا يوجد هنا فعل إيراني في مقابل الفعل الامريكي، بل هو مجرد هروب أمريكي من الهزيمة التي تكبدوها من الشعب العراقي في الوقت غير المتوقع، غير أن الدبلوماسية الامريكية كان عليها أن تعدّ نفسها لانتهاكات من أطراف عديدة تلاحقها بثارات عديدة وفي أصعدة متعددة، ولا معنى بعد ذلك للتباكي على الأعراف الدبلوماسية، فمن سنّ سنّة عليه أن يتحمل بوائقها، بغض النظر عن هوية من سينفذ العمل المضاد.

 

أما في قضية الإتهام السريع للجمهورية الإسلامية فقد بلغ تحامق ترامب درجة جعلته مهزلة في عالم السياسة، وهي المهزلة التي حاول أن يلملم أطرافها سريعاً فعاد وقال بأنه يريد السلام مع الجمهورية الإسلامية وأنه لا يريد الحرب معها!! مع أنه كان قبل سويعات من تصريحه هذا قد دق طبول الحرب عليها وهدد وتوعّد وأزبد وأرعد، غير أنه سرعان ما وجد نفسه أمام الحائط بلا منفذ يلج منه، ولا باب يخرج عبره، فاضطر ليذكّرنا بالانسحابات التكتيكية للمجرم صدام، لا بل وأكثر من ذلك أن المجرم صدام كان يكابر في وقت هزائمه، وهذا الأحمق غدا يتذلل مع بدء الهزيمة.

 

من الواضح أن عالم السياسة ليس غريباً عن عالم التهديد والتهديد المتبادل، ولكن الحكماء في العادة يتجنبون التصريحات التي تتسم بالنارية التي تفترض بأن ما بعد الكلام ثمة صدام، فيغلّفون تهديداتهم بالكلام الكنائي الذي يفهمه الطرف المقابل بأنه تهديد، ولكنه في نفس الوقت يجد الباب الآخر للسلام مفتوحاً حتى ولو بتنازل، غير أن حماقة ترامب أدت به إلى أن يلقي بسلة التهديد كلها دفعة واحدة، واندفع مؤيدوه يطالبونه بقصف طهران، ولكن سرعان ما رأى أحمق أمريكا نفسه في ورطة كبيرة، خاصة وأنه في مفتتح معركته الانتخابية، بعد أن مسحت الجماهير العراقية الغاضبة بهيبة أمريكا الطاووسية الأرض ومرّغت أنفها في إذلال لا مثيل له وبطريقة غير متوقعة.!

 

فبعد لغة التهديد والوعيد التي استخدمها ترامب، وجد نفسه بين خيارات التنفيذ وبين خيارات التراجع والذلة، وسرعان ما بان الوهن سريعاً جداً على ترامب، فانتقل من تهديد طهران الى تهديد المحتشدين من خلال تصريحات استعراضية بأن هناك قوة مميتة ستتوجه الى السفارة ببغداد، وانتقلت فلاشات الكاميرات تارة الى الكويت وأخرى الى فلوريدا، ووسط لهاث المنهزمين والطوابير الإعلامية المتآمرة او الخانعة لتعظيم الخطر القادم، وقد رأى ترامب ومن يساعده أن لغة الإرعاد والإزباد كانت بائسة للغاية، فلا زال المحتشدون يزدادون عددا وهتافاتهم لا زالت تعلن الاستعداد للنزال بل تعيّر الامريكان بأن عليهم أن يظهروا رجولتهم على الارض لا من خلال الطيارات، وفيما ازداد سعير الجوكر وإعلامييه في العراق ليلقي آخر ما في كناناته من حقد على الحشد والحشديين، كان الشعار الجماهيري: الله اكبر.. امريكا الشيطان الاكبر يملأ سماء العاصمة ويتردد في جنباتها هتافاً وثقافة ومواقفاً، ولهذا كله عاد ترامب ليتخذ الخطوة الأخرى نحو الذل، فاتجه الى الحكومة العراقية وتحديداً إلى من كان ترامب قد أمر بتأليب الأوضاع ضده واسقاطه بأي ثمن، فقد راح يتوسل برئيس وزراء الحكومة المستقيلة كي ينقذه من محنته التاريخية، وكان من الذل بمكان بحيث انه تحمل لغة التقريع الشديدة التي تكلم بها عبد المهدي معه على طبيعة الاجرام الامريكي مع ابطال العراق في القائم، وهي لغة لم يعتد ترامب أن يسمعها من الحكام العرب، ولكن هذا هو المسؤول العراقي الذي يسمعه كلمات العزّ والأنفة الخاصة بالشعوب الحرة والأبية، بعد أن سبق للمرجع الأعلى دام ظله الشريف أن جرّم فعل ترامب مع أبطال الحشد.

 

ونتيجة لسيطرة الهلع عليه راح يرسل الوسطاء كما فعل القطريون والعمانيون كل في سبيله كي يدخلوا على خط الأزمة وينقذوه في تخفيف التوتر بينه وبين العراق وطهران، وقد ذهب به الهلع الى الدرجة الأقصى حينما غرّد في تويتر بأنه لا يريد حرباً مع إيران، وانه يسعى إلى السلام ويحبه!! ونسي أنه قبل ذلك بساعات كان قد دق طبولاً للحرب بصوت أعلى من طبول الهنود الحمر لاستخدام الأساليب المميتة المرعبة! ضد المحتشدين تارة، ولتأديب إيران تارة اخرى! ومن ينسى قراره في ساعات كيف تريده أن يتذكر ما سبق له من تذلله المريع للجمهورية الإسلامية إبان حادثة طائرة التجسس في الخليج في العام الماضي؟

 

انتهت أزمة السفارة الأمريكية في بغداد في صفحتها الأولى بقرار من المحتشدين احتراماً لتعهداتهم، وقد أثخنت الهيبة الأمريكية بجراح لن تنساها، وسيبقى الشعار الذي تردد كثيراً في ساحات الإحتشاد الجماهيري أمام السفارة (إن عدتم عدنا) محفوراً في الذاكرة الأمريكية ومحذراً لهم من طبيعة عمل المارد العراقي الجهادي، ولكن نهايتها هذه فتحت في نفس الوقت الباب نحو الأزمات السياسية العديدة والتي ستجد أمريكا معنية تماماً في معالجتها بعد ان افتعلتها سابقاً كي تكون جسراً لعودة نفوذها في العراق كي لا يتكرر ثلاثاءهم الدبلوماسي الأسود، وفي ذلك باتت طاولات التفاوض ترسم مراحلاً جديدة، ستترك بصماتها على حركة الضغوط والتحريض وعلى أعمال التخريب والعبث وفي الملف السياسي الحكومي، والقائمة تطول من بعد ذلك، ومهما قيل فإن القناعة الأمريكية باتت أكثر رسوخاً أن حكومة عراقية تحت وصايتها ستكون حلماً أبعد منالاً مما أملت به من عصابات الجوكر ومن أيتام برامج أيلب ومن شاذّي حركات الايمو ومن كل الطابور الخامس الذي حشدته هيلين اليهودية تحت اسم الجيش الأحمر في شقيه الديني المنحرف والأخلاقي المتهتك ومن قبضات الأوبتر.

 

إن ما جرى بالغ الأهمية يجب أن يستوعب جماهيرياً، فالشعوب أقوى في حال وحدتها خلف قضاياها العادلة من كل الجبروت الأمريكي والصهيوني،  ويجب أن يمنهج سياسياً وقيادياً بحيث يتحول إلى إعادة تقييم للوجود الأمريكي برمته وفق استحقاقات الجريمة الامريكية وما جرى من بعدها، ويجب أن يتموضع في العقلية الأمنية والعسكرية بحيث يعاد صياغة القوة والردع العراقيين بعيداً عن كل محاولات اهدارها والتفريط بها، فالحشد وجمهوره هم الدعامة الرئيسية لذلك، ومن ينكر هذه الحقيقة الصارخة إنما يريد التفريط بأعظم كنوز القدرة العراقية وقوتها، ويجب أن يتحول إلى مادة تربي الذاكرة الوطنية وترفع من مستواها بعد أن عبث بها راكبو الأمواج ومتشيطنو الفساد والخراب، وحاولوا ان يمزقوا بها الوطن ويخربوه تحت شعاراتهم الفارغة والمخادعة.

 

إن الثلاثاء الأبيض العراقي برهن للجميع هوية الطوابير التي كانت تنفخ في العجول الأمريكية والصهيونية والسعودية والاماراتية، وأسقط كل براقعهم واقنعتهم الخيانية، وبدد أحلامهم وسفّه مخططاتهم الدنيئة التي حاولوا فيها تشويه مصادر عزة العراق ومكامن كرامته ومواطن وطنيته الحقيقية، وإن هذا الثلاثاء المجيد يجب أن يتمم باتمام الصولة ضد الفساد والإفساد والعبث والتخريب ليحطّم ذيوله وليزيح قذارته التي جثمت على أرض الوطن وليعيد اللحمة لأبنائه بعد أن عبث بهم محور الانبطاح والوهم بالنصرة الامريكية والسعودية والصهيونية. فما حصل في الثلاثاء هو الذي حدد الخط الفاصل بين مرحلتين فما قبله لا يمكن أن يكون مماثلاً لما بعده.

 

شاء الله أن يمكر بأمريكا وحلفائها الذين حسبوا أن انطلاقة تخلصهم من الحشد الشعبي ستنطلق من القائم، فارتكبوا جريمتهم النكراء ليرعبوا الحشد وأهله وليحرّضوا أهالي القائم عليهم، ولكن المكر الإلهي أعظم فتحوّل شهداء القائم وأبطاله الى السيف الذي بدد الأحلام الاستكبارية، وتحولت نخوة أهل القائم الأبرار وشهامتهم الى الدرع الذي تتحطم عنده مؤامرة تهشيم العراق وتجزئته.

 

إن كل الذي جرى يجب أن لا يغرقنا في نشوة ما حصل، بل لابد من إدامة المسير في هذه المرحلة الحرجة للأمة، وأي غفلة قد تنفخ في جعبة العدوان أحلاماً جديدة تشرّع له رماحاً وتشحذ له سيوفاً.

 

إن الذي جرى لا شك أنه خطوة في طريق التأهيل المهدوي، وهو شوط في مضمار الإعداد المسؤول للقادم الموعود روحي فداه، ولا خيار لنا إلا إدامة الطريق في نفس الإتجاه، فأمريكا واليهود ومن يحالفهم في الداخل والخارج هم الأعداء المنتظرون لإمامنا صلوات الله عليه، فمنهم الشيصباني ومنهم السفياني ومنهم البترية وكل عمل اسس لاعاقة بزوغ الفجر الموعود، وما لم نستعد برمح ونرم بنبل فإن خيارات النصرة المنتظرة تبقى مجرد دعوى لا دليل عليها، وما لم نثخن بجراح ونتلوى بألم في هذا السجال لا يمكن لعودنا أن تتقوى أمام استحقاقات ما ينتظره أئمتنا صلوات الله عليهم من شعبنا في أن يكون عاصمة للعدل المهدوي الذي تعد به السماء لكل مستضعفي الأرض، وتذكروا دوماً أن نصر الله آت لا محالة، ولكن دونه استحقاق يكمن في أن النصر صبر ساعة.

 

جلال الدين الصغير

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
محمدمحمد
العراق
2020-1-2
اشترك في القناة
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
26 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :4105
عدد زوار الموقع الكلي: 11135253
كلمات مضيئة
يا فرج الله متى ترانا ونراك؟