بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

224: كيف يصل ملك سليمان إلى ملك الإمام المهدي عليه السلام علماً أن سليمان طلب من الله ان يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟


224: كيف يصل ملك سليمان إلى ملك الإمام المهدي عليه السلام علماً أن سليمان طلب من الله ان يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟

أحمد الكعبي ـ أمريكا (الموقع الخاص): دعاء نبي الله سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} فاستجاب الله له دعوته السؤال: كيف يصل هذا الملك للامام المهدي أرواحنا له الفدا ودعاء النبي سليمان علية السلام ممانع لأن تصل لأحد غيره؟

الجواب: ما طرحه سليمان على نبينا وآله وعليه السلام في شأن البعدية، لا يفهم منه الاطلاق بالضرورة، بحيث أن أي ملك يضاف له بناء على هذا الدعاء، لا يملكه أي أحد غيره إلى يوم القيامة، وإنما مقتضى التأدّب بين يدي الله تعالى أن يكون طلباً نسبياً، كأن يتعلق بحدود ملكه، أو بحدود ذريته، أو بحدود أرضه، وما إلى ذلك، وهو أمر نلحظه أيضاً من طبيعة تلبية المجيب سبحانه وتعالى، فهو وإن أعطاه ملكاً عظيما كما يعرب عنه قوله جلّ من قائل: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بنّاء وغوّاص، وآخرين مقرنين في الأصفاد}[1]إلا أن من الواضح أن الإجابة نسبية، وليست مطلقة.

ولو قدّرنا أن سليمان لم يقصد النسبية وإنما قصد الإطلاق، ومع أن فيض الكريم لا انقطاع له، وهو الذي قال: ادعوني أستجب لكم، إلا أن الإستجابة تارة تكون وفقاً لمصلحة العبد، وأخرى تكون بمقدار قابلياته، وثالثة تكون وفقاً للمصالح الإلهية، إذ لدينا هنا ثلاثة جهات: الأولى تتعلق بجهة الطالب، والثانية تتطلق بطبيعة المطلوب، والثالثة تتعلق بجهة المطلوب.

ولو حللنا الأمر من جهة الطالب وجدنا أنه سيحتاج إلى مقدار مطلق من القابلية لكي يحظى بالعطاء المطلق، لأن الفاعل وإن كان عطاؤه بلا حدود، ولكن إذا كان المنفعل لا يتمتع بقابلية الإنتهال المطلق من هذا العطاء، فإن ما يأخذه الطالب يبقى بحدود قابلياته لا بحدود ما يعطي المطلوب، مثله مثل من يذهب إلى المحيط لينتهل منه ماءاً، فمن يأخذ معه صهريجاً ليس كمن يحمل دلواً، وهذا ليس كمثل من يحمل كأساً، فكلّهم سيأخذون الماء من المحيط، ولكنك تجد أن القصور هنا من القابل وليس من الفاعل، فالمحيط فاعل لإعطاء الماء، ولكن من ياخذ معه ظرفاً سيأخذ بقدر هذا الظرف لا بقدر هذا المحيط، ولذلك سيحظى سليمان على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام من طلبه بمقدار قابلياته، وإن كان طلبه مطلقاً من رب لا حدود لكرمه، فالمشكلة تبقى معلقة بحدود قابليات سليمان عليه السلام، ولا خلاف بأن سليمان عليه السلام ليس هو الأفضل من مخلوقات رب العزة والجلالة حتى نتحدث بأن لديه قابليات مطلقة للإنتهال من العطاء الرباني الممنوح للولاية على الأشياء المعبّر عنه بقوله تعالى: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءاً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار، وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخّر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفّار}[2] مما يعني أن موانع القابلية هنا هي الظلم والجحود، فكلما كان الظلم والجحود أقل، كلما كانت القابلية للإنتهال من هذا العطاء أكبر، والعكس بالعكس.

أما لو حللناه من جهة طبيعة المطلوب، فإن ما طلبه سليمان عليه السلام إنما هو من جملة ما استخلفه الله على هذه الأرض من كرمه وعطائه، وهو بالتالي ليس كل ما استخلفه الله سبحانه وتعالى، إذ أن أقصى ما يفهم من طلبه أنه طلب سلطاناً على الأشياء، ومن الواضح أن الأشياء أمر، والسلطان عليها أمر آخر، مما يعني سلفاً أن طلبه كان محدوداً بالتسلّط، لا بالمتسلّط عليه، وحيث أن السلطان متوقف على قابلية المتسلّط، فإن قدرته على التسلّط على ما هو فوق قابليته منعدمة، وبالتالي فإن من يملك التسلط على الأشياء ليس كمن يملك الأشياء وما يتسلط عليها، وهو أمر نلمسه من قوله تعالى في التفريق بين من عنده علم من الكتاب[3] وهو وصي سليمان، وبين من عنده علم الكتاب،[4].

وأما لو حللناه من جهة المطلوب سبحانه وتعالى فإن الله تعالى هو المالك لكل شيء، ولكنه سبحانه وتعالى سبق له وأن جعل على هذه الأرض خليفة كما هو واضح في آيات سورة البقرة،[5] وهذا الخليفة بحكم اطلاق استخلافه استخلف على كل حدود هذه الخلافة، وهو بالتالي غدا مصداقاً للقابل الكامل الذي يستوعب المبدأ القرآني في العطاء الرباني الذي عرضناه سابقاً، إذ أن قوله تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه} لا يشير إلى مجرد عرض لم ينله أي إنسان، بل إن هذا الخليفة حتماً هو الذي حوى كل القابليات التي تستوعب شمولية السؤال التكويني لأي نمط من أنماط الحاجة التي تم ايداعها في عالم الاستخلاف، بل وأكثر من ذلك أنه استخلف على ما يشتمل عليه قوله تعالى: {وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها}، لأنه لا يعقل لتمامية الحجة الربانية أن يعرض الله جلّ وعلا أمراً دون أن يكون له مصداق يحتجّ به على خلقه، وبطبيعة الحال فإن من تم استخلافه تم ائتمانه على كل ذلك كما هو واضح من قوله تعالى: {إنا عرضنا الإمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}[6]ولا يخالجن الشك أحد أن العرض على السموات والأرض والجبال هنا كان عرضاً تشريعياً، بل هو عرض تكويني ومن أبى إنما هو القدرة التكوينية لهذه المخلوقات، فهي آبية أن تحمل هذه الأمانة، وحينما حمل هذا الإنسان المستخلف كل هذه الأمانة، قصر عنها من كان ظلوماً جهولاً، لأن الأمانة تستدعي أن لا يكون المؤتمن جاهلاً بما أؤتمن عليه، كما أنها تستدعي أن لا يكون ظالماً فلا يؤدي الأمانة.

وبناء على هذا وذاك وجدنا أعاظم الملائكة حينما اقترحت نفسها كجهة تستحق الاستخلاف طرحت مميزاتها بقولها: {ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} لأن التسبيح بالحمد خلاف الجحود، والتقديس خلاف الجهل، ومن يفعل كليهما يخالف الظلم، مما يعني أن لديها قابلية الأمانة والولاية، ولكن الجواب الإلهي كان قد صوّب الأنظار على مخلوقات أعظم في قابلياتها ومؤهلاتها، ولذلك قال لأعاظم الملائكة: {إني أعلم ما لا تعلمون}، ولكنه سبحانه حينما {علّم آدم الأسماء كلها}، أشعر الملائكة أن ثمة ذخيرة في سنخ آدم فيها سر جهلهم الذي طرحه في قوله بأنهم لا يعلمون، وهذه الذخيرة حينما عرضت على الملائكة التي كانت تتفاخر بقابلياتها على الأمانة والولاية نتيجة لتسبيحها وتقديسها من قبل آدم، سرعان ما سحبت مقترحها وشعرت بأن هناك ما هو أعظم منها ولذلك قالت بإذعان وتسليم مطلقين: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت علام الغيوب}.

إذن هذه الأسماء التي عرضها آدم على أعاظم الملائكة هي موضوع هذا الاستخلاف الشمولي على كل شيء، وبالتالي فإن هذه الأسماء حينما استخلفت كان استخلافها على كل شيء، وما أراده سليمان عليه السلام لملكه هو جزء من هذه الأشياء، ولا يعقل أن الله سبحانه وتعالى يسحب ممن استخلفه على هذه الأشياء أمراً هو قابل لأداء مسؤوليته تجاهه بدليل إنه عبر عن هذا الاستخلاف بالجعل {إني جاعل في الأرض خليفة}، والجعل لا يكون إلا باستحقاق من المجعول له لما جعل له، ليعطيه لآخر لا قابلية لديه على هذا الجعل بوصفه المطلق.

يبقى علينا أن نسأل من هي هذه الأسماء؟ وكيف نتعرف عليها؟

فلو نظرنا إلى محددات الأمانة الربانية لوجدناها متلخصة في الجهل والظلم، فلو أننا وجدنا مخلوقات خلية من كل ذلك بالمعنى المطلق فما من ريب أنها ستكون هي الحاملة لهذه الأمانة.

ولو نظرنا إلى محددات الولاية التسخيرية على الأشياء لوجدناها متلخصة في الظلم والجحود، فلو أننا وجدنا مخلوقات خلية من كل ذلكم فما من شك في أنها هي التي استودعت هذه الولاية.

وحيث أن الخلافة على الأشياء فضلاً عن الولاية عليها، والإستئمان عليها تستدعي أن يكون الخليفة عالم بكل ما يتعلق بعوالم الخلافة فضلاً عن عوالم الأمانة والولاية، فمن الطبيعي أن نقول بأن هذه المخلوقات يجب أن تكون عالمة بكل شيء، وهي من سنخ ما عبّر عنه الباري جلّ وعلا: {من عنده علم الكتاب} لأننا وجدنا أن من كان عنده علم من الكتاب أي جزء من علم عالم الولاية والأمانة قد تمتع بولاية على حدود الزمان والمكان بالطريقة التي جاء بعرش بلقيس من اليمن إلى موضع سليمان عليه السلام، ولذلك من باب أدعى أن من له علم الكتاب كل الكتاب هو مصداق هذه المخلوقات الشريفة، وبالنظر إلى أن القرآن الكريم اشترط في العلم الذي له هذه النمطية من العلم أن يكون من مواصفات القلوب التي لا زيغ فيها، لقوله تعالى في سورة آل عمران: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فكلما كان في القلب زيغ سار الإنسان في إيجاد الظلم وإبداء الجهل، وكلما خلا هذا القلب من الزيغ كلما تعلّق به هذا العلم الذي خصصه لمعرفة كل الكتاب، فقال: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}[7] وهنا نعلم علم اليقين بأن الراسخين في العلم هم نفس الجهة التي عبّر عنها بقوله: من عنده علم الكتاب، ولكنه هنا أفصح في التعبير عن طبيعة مواصفات وقابليات هذه الجهة، فهذا العلم لا يأتي في قلب دخل فيه الزيغ ولو بأصغر أحجامه، بل لا بد له من قلب خلي من كل نمط من أنماط هذا الزيغ مهما ضؤل حجمه. مما يمكننا من الوصول بسهولة إلى طبيعة هذه الجهة التي لديها قابليات الاستخلاف دون سواها، وهي القابليات التي لا تضاهيها درجة تسبيح الملائكة بحمد الله وتقديسه، لأن القرآن الكريم سبق له أن طرح وجود جهة لها قلوب لم تخل من الزيغ فحسب، بل لم يصلها الرجس أبداً، والرجس هو القذارة الناشئة مهما كانت صغيرة، بينما الزيغ هو الميل والعوج الناشيء في داخل القلوب، فالقرآن حينما طرح جهة أهل البيت عليهم السلام بوصفها الجهة التي لم تصل إلى الرجس أبداً، فطهّرها الله تطهيراً كما هو في قوله تعالى في آية التطهير، إنما طرح هذه القابليات العظيمة التي لم تتمكن الملائكة العظام من بلوغها، وإنما طرح هذه القلوب التي لديها قابلية الرسوخ في العلم، فأصبح واحدها يحمل كل علم الكتاب، وهو العلم الذي يجعل له الولاية على كل شيء استخلفه الله تعالى عليه، مما يجعل ما للإمام المنتظر روحي وأرواح العالمين له الفدا أعظم بكثير مما كان قد أُوتيه سليمان عليه السلام، فتأمل!!.   

 

[1] سورة ص: 36ـ38.

[2] سورة إبراهيم: 32ـ34.

[3] سورة النمل: 40.

[4] سورة الرعد: 34.

[5] سورة البقرة: 30.

[6] سورة الأحزاب: 72.

[7] سورة آل عمران: 7.

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
انوار
السفياني
2013-12-25

ما قولكم في ما ورد عن الامام علي في خطبة البيان ان السفياني اول اسمه حرف الشين ، وان جنده ضراغمة ، وانه يحدث مجازر في المناطق التي يدخلها ... هل الخطبة مروية في مصادرنا ام انها من مصادر العامة ايضا ؟

من الموقع

السلام عليكم

الخطبة واردة في مصادرنا ولكنها واردة بطرق غير معتمدة

مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
11 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :1343
عدد زوار الموقع الكلي: 7711042
كلمات مضيئة
يا فرج الله متى ترانا ونراك؟