بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

١٣٨٨: شيخنا أنتم لا تؤمنون بالمعجزات بالمعنى الحقيقي لها؟ فكيف يمكن تفسير الرجعة؟ أليست هي معجزة؟.


١٣٨٨: شيخنا أنتم لا تؤمنون بالمعجزات بالمعنى الحقيقي لها؟ فكيف يمكن تفسير الرجعة؟ أليست هي معجزة؟.

ياسر البهاش (مجموعة منتظرون ٥): شيخنا أنتم لا تؤمنون بالمعجزات بالمعنى الحقيقي لها؟ فكيف يمكن تفسير الرجعة؟ أليست هي معجزة؟.

 

الجواب: أولاً: من قال إني لا أؤمن بالمعجزات؟ إذ معاذ الله أن أكون كذلك، ويكفي لذلك أن تراجعوا كتابنا الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم عليه السلام وهو مطبوع منذ اواخر التسعينات من القرن الماضي.

ولكن ربما أنا اختلف في تفسير حصولها وحدودها عن كثيرين، ولا يوهمنك كثرة حديثي عن عدم اعتماد الإمام صلوات الله عليه على المعجزة في عملية الهداية الربانية، أن هذا يعني عدم الإيمان بالمعجزة، فبين الأمرين بعد شاسع، فثمة فرق بين المقدرة على شيء وبين التصرف به، إذ مما لا شك في أن الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله كان هو أقدر مخلوق على التصرف بالآيات الكونية، ولكنه حينما لم يستخدمها في عملية التبليغ والتغيير الإجتماعي، فلأن التغيير الاجتماعي وأداء التبليغ قرنه الله تعالى بإرادة الإنسان لقوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ولو أراد تنجيز التغيير عبر المعجزة التي تحوّل الإنسان من كافر إلى مؤمن بلا مجهود ولا اختبار ولا امتحان وابتلاء، فستنتفي مهمته كرسول بل تنتفي مهمة الهداية الربانية من أصل، إذ يمكن أن يقال بأن الله تعالى ليس بحاجة الى إرسال الرسل واختبار الناس وإنما يمكن له أن يجعل كل الناس على هدى ويبعدهم بقرار تكويني عن الضلال، من دون كل  مخاضات البشرية، ولو فعل ذلك لانتفى سبب الوجود الإنساني وتحول الجميع إلى آلة مجبرة مثله مثل الجماد، بينما الحديث عن تعليل الخلق بعبادته جلّ وعلا كما في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} مبني حتماً على وجود الإختيار لدى من خلقهم لهذه المهمة، إذ بدون الإختيار لا معنى لأي شيء، ولذلك رأينا أن الرسل وأهل الإيمان تفاضلوا فيما بينهم، وهذا التفاضل ما كان ليكون لولا إرادتهم وحريتهم في طرق الوصول إلى غايات الخلق، فمنهم من بلغ بإرادته أن وصل إلى أعلى الدرجات كما نلحظ ذلك في أهل البيت عليهم السلام الذي أراد الله منهم أن يبلغوا بطهارة أنفسهم حداً لا يقتربون به من الرجس، فامتثلوا لذلك فطهّروا بإرادتهم ما جعلهم يؤدون عين ما أراده الله تعالى منهم عندئذ نسب الله إرادتهم إلى إرادته احتفاءاً بهم وتمجيداً لهم، فقال تقدست اسماؤه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فالتطهير المبالغ به هنا إنما بلغوه بإرادتهم لا أنهم أجبروا عليه، ومثل ذلك كثير في القرآن، كما في قوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} فالفعل فعل الرسول والنسبة أرجعت لله تعالى تثميناً لما قام به الرسول ص لانه قام بعين ما أراده الله منه، فنسب الله الفعل له إعلاءً لمقامه وتبجيلاً لعمله، ونفس هذا الامر نجده مع أبي طالب عليه السلام في فعل الإيواء الذي قال عنه الباري: {ألم يجدك يتيماً فآوى} مع أن من آوى هو مؤمن قريش صلوات الله عليه ولكن الإيواء وعظمته كان هو عين ما أراده الله ولذلك نسبه إليه، وهو نفس الأمر الذي حصل مع السيدة خديجة أم المؤمنين عليها السلام بقوله: {ووجدك عائلاً فأغنى}، ومع هذه الدرجة المتقدمة هناك من قصرت مؤهلاته ومواصفاته فوصل إلى ما دون ذلك. 

على أن هذا لا يعني أن الرسول صلوات الله عليه وآله وكذا بقية الأئمة صلوات الله عليهم لم يفعلوا المعجزات بل فعلوا ولكن غاياتهم هو تثبيت أسبقيتهم على غيرهم لغرض أن يقنع الناس بطبيعة ارتباطهم مع الله تعالى، ولكنهم لم يفعلوا ما فعل الأنبياء عليهم السلام لأن مقامهم وصبرهم كان يستدعي أن يلجأوا الى وسائل الاقناع العقلي والعلمي والتجمّل بمكارم الأخلاق وتحمل الأذى في سبيل الله لتحقيق مبدأ القدوة والأسوة، وهذا هو السبب الذي تجد كيف أن الأنبياء كموسى وسليمان وعيسى عليهم السلام وغيرهم فعلوا ما فعلوا مع قومهم من إنزال البلاء أو التصرف بالآيات، ولكن طبيعة المقام المعظم لرسول الله وآله عليه وعليهم السلام وطبيعة رسالتهم الموسومة بالرحمة اقتضت منهم الصبر على عظيم البلاء فكانوا مع قدرتهم على أن يقلبوا عاليها سافلها مع المشركين والمنافقين والظالمين إلا أنهم آثروا التحمّل والصبر لأن الهدى فيه أقوم وأمتن مما سواه، فتأمل!.

 

ثانياً: إن التفسير الذي نعتمده لحصول المعجزات قد يختلف عما يفهمه البعض، فنحن نقول بأن المعجزة تحصل نتيجة لمقومات ومقامات علمية خاصة، وهذه المقامات والمقومات لا تتأتى من سبل التحصيل العلمي المعتاد، وإنما تتولد نتيجة لرقي الروح الإنسانية في مدارج الكمال، فكلما رقت هذه الروح مكّن الإنسان من علوم خاصة تمكنه من أسباب وقوانين لها سطوة على القوانين المألوفة عند عامة الناس، مما يمكنه من أفعال وتصرفات يعجز الناس عن إدراك كيفيتها، ولذلك تصرفه يجعل فعله معجزاً لمن هو دونه مقاماً، ولكن ربما لو فعله أمام من يساويه فلن يسميه معجزاً لأنه يعرف السر في ذلك، ولو فعله أمام من هو أعلى منه مقاماً في هذا المجال فإنه سيرى فيه عملاً عادياً جداً، لانه يفوقه في القدرة.

وهذا الأمر لا علاقة له بالأنبياء والمعصومين في المقام الأول، وإنما يمكن أن يصل إلى بعض ملاكاته من لا علاقة له بالنبوة والعصمة، كما هو واضح من حديث القرآن الكريم عن ذلك الذي آتاه الله من آياته وهو يعني انموذجاً من ذلك المقام، غير أنه أبخس حظ نفسه وتخلى عن حالة الرقي واستبدلها بالانحطاط {اتبع هواه} فما كان إلا أن فقد هذه المقدرة {فانسلخ منها}، ولكن كلما تعاظم رقي هذا الإنسان في مدارج الكمال كلما أخذ حظاً أوفر من ذلك، ولهذا تجد الروايات الشريفة تتحدث عن أن بعض الأنبياء أوتي مقداراً من حروف الاسم الأعظم، وغيره حظي بأكثر من ذلك، وهكذا يتفاضلون إلى أن ينتهي الأمر إلى رسول الرحمة وعترته المطهرين صلوات الله عليهم فنجد أنهم حازوا المقام الأعظم في هذا المجال، وفي ذلك يروي عبد الصمد بن بشير رض في صحيحته عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: كان مع عيسى بن مريم حرفان يعمل بهما، وكان مع موسى عليه السلام أربعة أحرف، وكان مع إبراهيم ستة أحرف، وكان مع آدم خمسة وعشرون حرفاً، وكان مع نوح ثمانية، وجمع ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وآله، إن اسم الله ثلاثة و سبعون حرفاً وحجب عنه واحداً. (بصائر الدرجات: ٢٢٩ ج٤ ب١٣ ح٤)، وغني عن البيان ان الحروف هنا ليست حروف اللغة واللفظ، وإنما هي مقامات تتجلى فيها مظاهر قدرة الله جل وعلا، وكلما رقى العبد في مدارج الطاعة لله وهبه الله من مظاهر قدرته.

وعلى أي حال فإن الله تعالى علل عمل من جاء بعرش بلقيس إلى سليمان عليه السلام بالعلم، مع ان آصف بن برخيا صاحب العرش لم يك نبياً ولكنه تصرف بالطريقة الاعجازية المذهلة والتي نلاحظ اليوم أن علماء الفيزياء المعاصرة بدأوا يتحدثون للتو عن إمكانية نقل المواد بطريقة لحظوية من مكان إلى آخر، مع العلم أن رجل هذه القصة عبّر لسليمان بقدرة انتقال تكون الحالة اللحظوية ربما طويلة بالنسبة له وهو ما يتجلى بقوله تعالى: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} ولو انتبهتم إلى استخدام كلمة قبل وتأملتم بها لوجدتم أنه لا يكاد يبقي من الزمن إلا أقل قليله، ولولا أن المادة تحتاج في وجودها إلى الزمن لقلت أن الزمان يكاد أن يكون مفقوداً تماماً، غير أن الإعجاز القرآني استخدمت ألفاظاً زمانية بطريقة بليغة للغاية، مع أنه لم يبق للزمن إلا حيزاً لا يحس إلا بصعوبة بالغة.

والكلام هنا هل أن المعجزة تتناقض مع قوانين السببية والارتباط العام؟ أم أنها تتفق معها؟ ومع إن الكثيرين يتصورون أن المعاجز تتم بعيداً عن قانون السببية، إلا إنني أعتقد أن المعاجز غير ناقضة للسببية ولا لأي قانون آخر من القوانين التي تتحكم بالكون، فالقرآن الكريم حينما يتحدث عن أن الله جعل {لكل شيء قدراً} فإننا يجب أن نذعن بأن المعجزة تتم بنظام يقع تحت الإطار الذي أشارت إليه هذه الآية، ولكن يجب أن نعرف أن قوانين السببية تعمل بطريقة طولية، بمعنى أنها لا تلغي بعضها، وإنما يمكن أن تعطل بعضها ليعمل البعض الآخر، فالكرة حينما نراها تتحرك بفعل قوانين الحركة، فإنها لا تعني أن قوانين الجاذبية قد ألغيت، وإنما نقول أن قوة قوانين الحركة أعلى من قوة الجاذبية، ولكن الصراع بين القانونين يبقى لكي يتغلب أحدهما على الآخر كما نلحظ في توقف الكرة عن الحركة والتي تعني تغلب قوة الجاذبية على قوة الحركة، ولهذا لو رأينا في معجزة ما تعطيلاً لقوانين الجاذبية او الحركة او ما إلى ذلك، ولو رأيناً طياً في الأرض هنا، وطياً للزمان هناك وما أشبه، فإنما يكون ذلك بتفعيل قوانين أخرى لها قوة أكبر من هذه القوانين، وهذه القوانين التي لها قدرة هيمنة أعلى لا تفعّل إلا في حالات علمية خاصة، وهذه الحالات عرفنا أن تحصيلها لا يكون في الدراسات التطبيقية المعتادة، وإنما تتفاعل مع قدرات ومقامات تشتمل عليها الروح إن وفقت للرقي إلى مواضعها، ولهذا رأينا أن المعاجز لم تتم على كل يد، وإنما ارتبطت بأناس لهم خصوصية روحية معينة، وأيضا رأينا أن المعجزة وإن كان تأثيرها حقيقياً غير أن المؤثر فيها ما أن ينتهي حتى تعود بقية القوانين التي فقدت التأثير إلى الفاعلية.

وإني اعتقد أن هذه القوانين لها نفس ميزات القوانين التي نحس بها ونتعامل معها، أي أنها ليست فوضوية، وإنما لها نفس ميزة الاطراد الذي للقوانين الاخرى، بمعنى إنها متى تم تفعيلها تعطينا نفس النتائج التي حصلنا عليها من قبل.

ولهذا إني اعتقد أن ما تم طرحه في القرآن الكريم من معاجز وكرامات، ليست حصرية ومتوقفة على من نفذ هذه المعاجز، وإنما هي متاحة لكل البشر غاية ما في الأمر على البشر أن يعرف أسرارها وكيفية الوصول إلى أسرار تفعيلها، وهو أمر يحتاج إلى لياقات خاصة تتناسب مع خطورة ما يترتب على امتلاك مثل هذه القدرات، ولهذا اشترط في هذه اللياقات العدل وعدم الجهل، مثلها مثل ما نرى أن بعضاً من الأسرار والمقدرات يجب أن لا تتاح إلا لمن لديه القدرة على الإيفاء بمستلزماتها.

 

ثالثاً: بالنسبة للرجعة لا شك أنها معجزة، وقد طرح القرآن الكريم أمر الرجعة بمستويين، أحدهما يعود لله تعالى، وتظهر لنا قصة العزير الذي أماته الله مائة عام وأحياه نمطاً من الرجعة الذي يكون بأمر مباشر من الله تعالى، والآخر يعود للإنسان الذي أذن الله له أن يفعل ذلك، ولدينا في إحياء عيسى عليه السلام الأموات بإذن الله ما يوضح ذلك، ولهذا فإن الرجعة التي تحصل في زمن الإمام المنتظر صلوات الله عليه أو تلك التي تحصل من بعده يمكن أن نعزوها للأمرين معاً، وعلى أي حال كل هذه الأمور تعود من حيث الأصل لقدرة الله ولطبيعة ما أتاحه لخاصة أوليائه، ومن يقول أن أولياء الله يفعلون ذلك مستقلين عن قدرة الله جلّ وعلا يكفر، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلاته وسلامه على رسوله وآله أبداً 

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
12 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :3421
عدد زوار الموقع الكلي: 9851227
كلمات مضيئة
يا فرج الله متى ترانا ونراك؟