بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الشيخ جلال الدين الصغير

35: هل هناك أسلوب معين وآداب خاصة لمخاطبة الامام المهدي عجل الله فرجه؟

3882 2012-05-04


منتظر القريشي (مجموعة حكيميون): لقد لاحظت أن الإيرانيين أكثر تعلّقاً بالإمام (روحي فداه) منّا نحن العراقيون, فيدعون له، ويتصدّقون عنه لسلامته، ويتحدّثون معه ويشكون حالهم له، وكأنهم يخاطبون شخصاً حاضراً أمامهم, يراهم ويروه, سماحة الشيخ .. هل هناك أسلوب معين وآداب خاصة لمخاطبة الامام المهدي عجل الله فرجه؟

 

الجواب: لا شك أن عشاق الإمام صلوات الله عليه يتواجدون في كل مكان من دون حصر لإيران أو العراق، ولكن مما لا شك فيه إن مظاهر العشق في الجمهورية الإسلامية أكثر من أي مكان بسبب أن المنهج التربوي المعتمد بشكل عام في الجمهورية الإسلامية يحثّ على ذلك ويدفع بإتجاهه، وهذا المنهج تتوافق عليه الحوزة العلمية ومؤسساتها، والهرم السياسي فيها، والجهاز التنفيذي، فضلاً عما يلحظ في الصفة الديموغرافية للمجتمع الإيراني، فهو بصورته العامة يتبنى العقيدة المهدوية، ومع سنوات طويلة من التربية المستقرة على هذا النحو وجدنا أن العلاقة العاطفية تتعاظم يوماً من بعد آخر، ومن المعلوم أن العراق يفتقر إلى المواصفات الموجودة في الجمهورية الإسلامية، فلا حكومته مهتمة، ولا حوزته متفقة على هذا المجال، إذ إنها خرجت للتو من معركة الوجود التي كان النظام المجرم صدام قد شنّها عليها، وتأثيرها من حيث الإمتداد الشعبي والمؤسساتي ليس كتأثير الحوزة العلمية في إيران، كما وأن الوعي الثقافي في العراق من حيث المجموع لا يمكن أن يضاهى بما في إيران، إذ يكفي أن نطالع نسب الأمية في محافظاتنا لنكتشف حجم الدمار الثقافي الذي ورثناه من عهد النظام المجرم، والذي لم تبال بإصلاحه الحكومات التي تعاقبت على العراق من بعد السقوط، هذا ناهيك عن التنوع العقائدي والمتناقض الذي يحياه المجتمع العراقي، والذي أنتج غربة للمنهج التربوي عن قضية الإمام المنتظر روحي فداه، ولكن ما من شك أن هناك نهضة تربوية هائلة في المجتمع العراقي يمكننا مشاهدة آثارها في طبيعة الزيارة الأربعينية على سبيل المثال، وما نتمنى من الله أن يوفقنا في مسعانا ومسعى جميع عشاق الإمام المنتظر صلوات الله عليه للمزيد من نشر الوعي المهدوي في أوساط هذا الشعب الكريم.

أما عن أسلوب مخاطبة الإمام صلوات الله عليه، فمما لا شك فيه أن طرق التواصل والمخاطبة مع الإمام روحي فداه كثيرة جداً وتتباين من شخص لآخر، ولكن القدر المتيقن أن الأئمة صلوات الله عليهم أشاروا إلى أساليب محددة، تبرزها لنا جملة من الزيارات والأدعية الخاصة بالإمام صلوات الله عليه كما هو الحال في دعاء الفرج ودعاء الندبة ودعاء العهد، أو تقدّمها جملة من التعاليم السلوكية التي أمرنا بأن نتخذها سبيلاً لإيجاد هذه العلاقة وتنميتها، بالطريقة التي تليق بعلاقة مع مثل الإمام صلوات الله عليه، ولكن هذه الأساليب وإن كانت تنطوي على الصورة الفضلى لذلك، ولكنها ليست من النمط الحصري، بحيث أنها لو لم تتيسر بين يدي المنتظِر لسبب أو لآخر فإنه لا سبيل لغيرها، بل الأصل أن يتواصل المنتظر مع الإمام صلوات الله عليه بأي طريقة تبرز طبيعة ولائه، وما من ريب أن هذه الطبيعة تتفاوت من شخص لآخر، إذ تبتدأ بما يشعر به الإنسان العادي تجاه إمام زمانه، وتمتد لتعطينا الصورة الوجدانية العظيمة التي تبرزها أشواق الإمام الصادق عليه السلام لحفيده المنتظر صلوات الله عليه، وهي أشواق سيقت لكي نراها، وأبرزت لكي نرتقي بأشواقنا لمستواها، وبعواطفنا إلى لهيب الوجد الذي يستعر فيها، إذ يروي سدير الصيرفي قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر وداود بن كثير الرقي وأبو بصير وأبان بن تغلب (وهم كبار أصحابه) على مولانا الصادق عليه السلام فرأيناه جالسا على التراب، وعليه مسح خيبري مطرف بلا جيب مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الوالهة الثكلى ذات الكبد الحرّى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغير في عارضيه، وأبلى الدمع محجريه، وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيّقت عليّ مهادي، وابتزّت منّي راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصائبي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد بفناء الجمع والعدد ، فما أحس بدمعة ترقأ من عيني، وأنين يفشا من صدري.

قال سدير فاستطارت عقولنا ولهاً، وتصدّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، فظننا أنه سمت لمكروهة قارعة، أو حلّت به من الدهر بائقة، فقلنا: لا أبكى الله عينيك يا بن خير الورى من أية حادثة تستذرف دمعتك وتستمطر عبرتك؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟ قال: فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد منها خوفه..[1] (إلى آخر الخبر).

ونستطيع أن نجمل بعضاً من الآداب التي يمكن الإلتزام بها في مجال مخاطبة الإمام صلوات الله عليه، مع الإلماع سلفاً إلى أن المخاطبة ليست هي الهدف، بل هي وسيلة لهدف أكبر منها، وهو نيل رضا الإمام صلوات الله عليه والذي ما من شك أنه هو الوحيد الذي يؤمّن رضا الله سبحانه وتعالى.

أوّلاً: لا يمكن للمرء أن يُحسن الخطاب ما لم يعرف من هو المخاطَب؟ وما هي خصوصياته ومزاياه؟ إذ أن عدم معرفة من نخاطب سيؤدي إلى إمكانية إساءة الأدب معه، أو عدم الاهتمام بمخاطبته أصلاً، أو أن نتورط في أساليب غير لائقة للمخاطبة، وبالتالي قد نفقد ما نسعى إليه غير واحد، وهي كما تعلم غير مطلوبة في أمر كالأمر الذي نتحدث عنه، بل هي معيبة وآثمة إن تمّت مع أئمة الهدى صلوات الله عليهم، ولهذا ترى القرآن الكريم ينبّه المؤمنين إلى هذه الخصوصية حينما يطالبهم بخطاب خاص مع رسول الله صلوات الله عليه وآله لأنه ليس كأحدهم، كما نرى ذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون* إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم* إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}[2]

وعليه فإننا معنيون حينما نريد أن نفكّر بمخاطبة الإمام صلوات الله عليه، أن نعرف من هو الإمام، وهنا تارة نعرفه كإمام كبقية الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، وأخرى نعرفه كإمام لزماننا فيه خصوصيات إمام الزمان من غيبة وطول عمر والأمل بملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً وعلامات ظهوره، وما إلى ذلك من خصوصيات له صلوات الله عليه متلهفاً للمعرفة ومستوعباً لها كلما احتاج لأن يتعمّق بهذه المعرفة، فالإمام بحر لا ينضب، ومن يريد أن يخوض في البحر عليه أن يهيأ مستلزماته.

ثانياً: لا يمكن للخطاب أن يكون دقيقاً في التعبير عما في داخل المخاطِب من دون أن يكون المخاطِب مدركاً لما يريد من خطابه، ومستوعباً له، وإلّا سيكون الخطاب أشبه بالعابث أو اللاهي عمّا يريد، ولذلك يجب أن نحدد لماذا نريد أن نخاطب الإمام روحي فداه؟ وحينما نشخّص بشكل دقيق الذي نريده، علينا أن ننتبه إلى مستلزمات ومتطلبات ما نريد، وإلّا سيكون الخطاب عبثياً، فتارة يكون الخطاب خطاب المحتاج إلى من يحتاج إليه، وأخرى يكون الخطاب خطاب المحب لحبيبه، وثالثة يكون الخطاب خطاب العاشق لمعشوقه، ووفق درجة الخطاب سيتحدد واجب الوصول إلى هذه الحالة، فالكل يمكن أن يكون محتاجاً، ولكن ما من ضرورة لكي يكون المحتاج محبّاً، فقد يحتاج حتى العدو، والإمام كريم في تلبية الحاجة لمن يطلبها منه، ولكن قلّة من هؤلاء المحتاجين من يكون محبّاً، والحبّ كما تعلم درجات، فهناك من يقول بأنه محبّ ولكن لا يذكر حبيبه إلا في وقت حاجته، ومنهم من لا يفارق الحبيب ذكر قلبه وعقله، ولكنه في أعماله قد يكون مغضباً لمحبوبه ويتخلّف عن القاعدة المعروفة: و(كل محب لما يهوى الحبيب حبيب) والصنف الأقل من هؤلاء هو الذي يتحرّى حبّ حبيبه في كل مكان فيلتزم بواجبات الحب ويؤدي فرائضه، ولكن هذا الصنف يبقى بحاجة إلى العلاقة المتبادلة، فلو قاطعه المحب فقد يقطع به أيضاً، أما الصنف الثالث من المخاطبين فهو خطاب العشّاق الذين لا يهمهم إلّا المعشوق، فتراهم مؤرقي الأيّام مسهدي الليالي، لا همّ لهم إلا همّه، ولا فرحة لهم إلّا فرحته، ولا شغل لهم إلّا به، يحضرون محافل الناس ولكن أفكارهم بعيدة عنهم وقلوبهم منشغلة بمعشوقهم، وهذه الأنماط الثلاثة يمكن لنا تلمّسها في دعاء الندبة بوضوح.

ثالثاً: مما لا ريب فيه إن المخاطِب كلما كان له سمعة طيبة لدى المخاطَب كلما كان أقدر على نيل رضاه، والعكس صحيح أيضاً، فمن كانت لديه يد بيضاء عند أحد من الناس، لا بد وأن نجد لمعروفه السابق معه وقعاً طيباً لو أنه خاطبه بأي أمر من الأمور، والعكس صحيح أيضاً، فمن كانت له سابقة سيئة أو كان على حال سيء عند مخاطَبه، فمن الطبيعي أن لا نجد لخطابه نفس الوقع لصاحب السابقة الحسنة، وعليه فإننا حينما نريد أن نخاطب الإمام صلوات الله عليه يجب أن ننظر إلى أنفسنا أولاً، هل هي جديرة بهذا الخطاب؟ فإن اكتشفنا أنها ليست بذاك، فما علينا إلّا أن نتأدّب بين يدي إمام زماننا روحي فداه، وهنا إما أن نتجه للإصلاح الفوري ثم نخاطبه، أو أن نقدّم ما يشفع عنده حتى لو كانت سوابقنا لا تمكّننا من جلب عنايته، والقرآن يقدّم لنا كلا الأمرين أثناء النظر إلى ذلك فتارة يطالب بأن نقدّم بين يدي مخاطَبنا صدقة وهو ما عنيناه بالسابقة الطيبة كما في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم}[3]، وأخرى طالبنا بأن نبتغي في خطابنا الوسيلة التي ترضي من نخاطب وتستجلب عطفه، فبعد أن طالب الله سبحانه المؤمنين أن يقولوا التي هي احسن وحذرهم من نزغات الشيطان لأنه عدو، فقال: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا}[4] طرح عليهم أن يتلافوا ما يلمّ بهم من خطايا وما يسرفوا به على أنفسهم فقال جلّ وعزّ من قائل: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا}[5]، وعليه فإن المطلوب منّا أن نقدّم بين أيدي سبيلنا لخطاب الإمام صلوات الله عليه كل ما يدخل على قلبه السرور والرضى من الأعمال الصالحة، وأما إذا ما أسرفنا على أنفسنا فإن ابتغاء الوسيلة إليه فيما يرضيه ويبعد سخطه عنا هو السبيل الذي دعينا لاتباعه، ولا أجد سبيلاً أفضل وأوقع على قلبه بابي وأمي من ذكر أحزانه ومشاطرته إياه فيها، فدمعة جدّته الصديقة الزهراء صلوات الله عليها وابنتها العقيلة الطاهرة عليها السلام، فضلاً عن دمعة الحسين بأبي وأمي هي أسرع السبل في نيل رضاه، فوالله إن الدمعة التي وصفت بأن القطرة منها تطفئ نار جهنم لكفيلة بنيل رضا الإمام روحي فداه حتى لو احتطب الإنسان بكل ذنوب الدنيا على ظهره، نعم يجب أن لا يكون ذلك مدعاة للتسامح في الذنوب، فنيل الرضا إنما يكون مع عدم الإصرار على مقارفة الخطايا.

هذا موجز لطرق مخاطبة الإمام صلوات الله عليه، أما طرق التواصل معه فهو أمر آخر ويحتاج إلى حديث آخر.


[1] غيبة الطوسي: 167ـ168 ح129.

[2] سورة الحجرات: 2ـ4.

[3] سورة المجادلة: 12.

[4] سورة الإسراء: 53.

[5] سورة الإسراء: 58.

التعليقات
الحقول المعلمة بلون الخلفية هذه ضرورية
مواضيع مختارة
twitter
الأكثر قراءة
آخر الاضافات
آخر التعليقات
facebook
زوار الموقع
18 زائر متواجد حاليا
اكثر عدد في نفس اللحظة : 123 في : 14-5-2013 في تمام الساعة : 22:42
عدد زوار الموقع لهذا اليوم :3540
عدد زوار الموقع الكلي: 7192940
كلمات مضيئة
اللهم صل على محمد وال محمد